حيدر حب الله

21

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

الفقهي ، لكنّ الذي حصل أن أخذ مفهوم ( الدقة ) في هذا العلم يصيّره علماً فلسفياً تجريدياً قائماً على التحليلات البعيدة عن حاجة الاجتهاد العملية ، فتضخّمت فيه أبحاث وطرحت فيه أفكار تحت حجج كثيرة كشحذ الذهن وغيرها حرفت - إلى حدّ ما - الاجتهاد عن مساره ، ولا نتحدّث هنا فقط عن بعض الموضوعات الدخيلة على هذا العلم أو ما ليس له فائدة عملية ، بل يهمّنا أكثر الحديث عن حصول تشوّه في طرائق البحث والمعالجة ، ففي اللغويات يصار لفهم النصوص عبر تأسيس قواعد لا تنتمي إلى روح اللغة وعرفيتها ، حتى غدت أمام الفقيه صورة رياضية يُسْقِطها على النصوص في التعامل معها كقوانين عليا كالخاص والعام والمفهوم والمطلق والمقيّد و . . وعندما دخل هذا الأصولي مجال فهم النصوص وضع هذه الصورة على عينيه ، فبدل أن يقرأ النص بعيداً عن حمولات قواعدية ليرى دلالته العرفية القائمة من خلال عناصره بأكملها ، واجهه فوراً بعمل قواعدي ممّا بدّل حركة الاجتهاد من شكل عرفي إلى شكل رياضي ، وهو في تقديري أخطر ما حصل في هذا المجال تحت مسمّيات الدقة والقدرة على تطبيق القواعد و . . . ولا يعني ما نقول حتمية الفوضى الذوقية في فهم النصوص ، بقدر ما يعني أن الذي يفترض أن يواجه النص - الذي هو بُنية لغوية - ليس قوالب قواعدية ، وإنما عقل مفرّغ من هذه القوالب لينظر بعرفية تامة وبوجدانية لغوية ، ثم إذا حصلت التباسات أو تردّدات عدنا للقواعد لتحدّد لنا ما نفعله ، فالمنطلق ليس القواعد دائماً لنخرج بالفهم اللغوي ، بل قد تكون القواعد هي السبيل الأخير ، عندما لا تقدّم عفوية الفهم أيّ معطيات أو كثير معطيات ، وهذا شيء يمكن أخذه حتى من المعايير التي وضعوها هم في أصول الفقه ، فعندما يتحدث عن بحث المفاهيم فهم يقرّرون أنّ لهذه الجملة مفهوماً وتلك ليس لها مفهوم ، ويقولون هذا في الحال